رميش جنوب- لبنان

الهاتف: 961 71015563 | البريد الألكتروني: [email protected]



بين المطرقة والسندان: العامل في زمن الذكاء الاصطناعي

مرصد العمل والمجتمع | تقارير خاصة الأول من مايو ٢٠٢٦ · عيد العمال العالمي

تحقيق خاص اقتصاد · تكنولوجيا · سوق العمل
في عيد العمال العالمي الأول من مايو

بين المطرقة والسندان:
العامل في زمن الذكاء الاصطناعي

حين يدقّ الرقميّ على أبواب المصانع والمكاتب، يجد ملايين العمال أنفسهم أمام معادلة وجودية لا تحتمل التأجيل: هل يُمثّل الذكاء الاصطناعي نهاية العمل كما عرفناه، أم فجر حقبة جديدة تُعيد تعريف الإنسان العامل من جديد؟

في مصانع الأمس، كان دويّ الآلات يُعلن عن حضور العامل. أما اليوم، فثمّة نوع آخر من الضجيج يتصاعد في صمت: هو ضجيج الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبرى والروبوتات الذكية. صوت بلا صاحب، وعمل بلا يدين، يُعيد رسم خريطة سوق العمل العالمية من أساسها. في عيد العمال لعام ٢٠٢٦، لم يعد السؤال: 'كم يكسب العامل؟' بل أصبح: 'هل سيبقى للعامل ما يكسبه؟'

القسم الأول: التهديد الوجودي — حين تسرق الخوارزمية لقمة العيش

لم تكن الثورات الصناعية السابقة رحيمة بعمّالها في مراحلها الانتقالية. غير أن ما يُفرّق الثورة الرقمية الراهنة عن سابقاتها هو سرعتها المذهلة ونطاقها الشامل. فبينما استغرق التحوّل من العمل اليدوي إلى الآلي عقوداً طويلة، يتقدّم الذكاء الاصطناعي بوتيرة تجعل إعادة التدريب المهني أشبه بمحاولة اللحاق بقطار تجاوز المحطة.

وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الصادر عام ٢٠٢٥، من المتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى إزاحة ٨٥ مليون وظيفة على مستوى العالم بحلول عام ٢٠٣٠، فيما تتمركز الوظائف الأكثر عرضةً للخطر في قطاعات البيانات والمحاسبة والنقل والخدمات المتكررة. لكن الأشد وطأةً هو أن هذه الإزاحة لا تقتصر على العمالة غير المتعلمة؛ إذ يطال التهديد اليوم المحامين المبتدئين، والمبرمجين الأساسيين، والصحفيين التقريريين، والمترجمين، بل وبعض الأطباء في مرحلة التشخيص الأولي.

٨٥م وظيفة مهددة بالزوال بحلول ٢٠٣٠ (WEF)
٤٠٪ من المهن الحالية ستتأثر بالأتمتة خلال العقد القادم
٣× أسرع من أي ثورة صناعية سابقة في الإزاحة الوظيفية

ما يُقلق الاقتصاديين ليس الرقم المطلق للوظائف المُزاحة، بل البُعد الجغرافي والاجتماعي لهذه الإزاحة. فالدول النامية، التي تعتمد اقتصاداتها على العمالة الرخيصة في المصانع ومراكز خدمة العملاء، ستكون الأشد تضرراً. وهنا تتشكّل معضلة حقيقية: فهذه الدول لا تمتلك بعد منظومات الحماية الاجتماعية القادرة على استيعاب صدمة بطالة جماعية واسعة.

⚠ القطاعات الأكثر عرضةً للخطر
  • المحاسبة والخدمات المالية الروتينية: نماذج الذكاء الاصطناعي باتت تُنجز عمليات المراجعة والتحليل بدقة تفوق الإنسان في أجزاء من الثانية
  • قيادة المركبات والنقل: قطارات بلا سائقين في سنغافورة وشاحنات ذاتية القيادة في الولايات المتحدة، تُشير إلى مستقبل قريب
  • خدمة العملاء ومراكز الاتصال: تتولى الروبوتات الحوارية المتطورة اليوم ما كان يستدعي آلاف الموظفين
  • الصحافة التقريرية والترجمة: التقارير المولودة آلياً باتت تُنشر في كبرى الصحف الاقتصادية دون تدخل بشري
  • العمل الإداري المتكرر: جدولة المواعيد، وإدارة البريد، وإعداد التقارير الروتينية — مجالات تبتلعها الأتمتة بصمت

'إن الخوف من الذكاء الاصطناعي لا يكمن في أنه سيُفكّر مثلنا، بل في أنه يعمل أسرع منا، وبلا توقف، وبتكلفة تقترب من الصفر.'

— تحليل معهد ماكنزي العالمي للاقتصاد، ٢٠٢٥

والأخطر في هذا المشهد أن الفجوة بين من يملكون التكنولوجيا ومن تُهدّدهم آخذة في الاتساع. فأصحاب رؤوس الأموال الذين يستثمرون في أدوات الأتمتة يجنون أرباحاً متصاعدة، فيما يجد العمال في الطبقة الوسطى أن وظائفهم تتآكل والخيارات البديلة تضيق. هذا الانكسار يُغذّي موجات الاحتقان الاجتماعي التي رصدناها في نقابات عمالية من أمريكا إلى أوروبا، حيث باتت مطالب 'الحماية من الأتمتة' تُجاور مطالب الأجور في بيانات الإضراب.

الجانب الإنساني من هذه المعادلة هو الأشد إيلاماً. فعامل المصنع الذي أمضى ثلاثين عاماً في إتقان حرفته لا يُعيد تدريب نفسه بين ليلة وضحاها على هندسة الذكاء الاصطناعي. والعمال الذين يبلغون الخمسين من العمر يواجهون 'تحيّز العمر' أمام أصحاب العمل الذين يُفضّلون توظيف شباب قادرين على التكيّف مع البيئات الرقمية بسهولة. هذا ما يُسميه علماء الاجتماع 'التهميش الهيكلي': إقصاء مجموعات بأكملها من سوق العمل ليس بسبب كسلهم، بل لأن التاريخ تحرّك أسرع مما يستطيعون.

القسم الثاني: الوجه الآخر للعملة — الذكاء الاصطناعي شريكاً لا منافساً

غير أن المشهد، في مجمله، ليس بهذه القتامة الحتمية. ثمّة رواية موازية يرويها الاقتصاديون المتفائلون، مستندين إلى تاريخ بشري طويل من التكيّف. فالمحرّك البخاري لم يُنهِ العمل؛ بل خلق صناعات لم تكن موجودة. والحاسوب الشخصي لم يُفنِ الكتّاب والمحاسبين؛ بل ضاعف إنتاجيتهم وفتح أمامهم آفاقاً جديدة. فهل يختلف الذكاء الاصطناعي عن هذا النمط؟

الجواب الأقرب إلى الحقيقة هو: نعم ولا في آنٍ واحد. نعم، هو أعمق أثراً وأسرع تأثيراً من أي تقنية سابقة. ولا، لأن البشر يمتلكون شيئاً لا تستطيع خوارزمية امتلاكه حتى اللحظة: القدرة على التعامل مع الغموض الإنساني، والتفاوض العاطفي، والإبداع المنبثق من تجربة الحياة.

✓ ما يُتقنه الإنسان ويعجز عنه الذكاء الاصطناعي (حتى الآن)
  • الذكاء العاطفي والتفاوض الإنساني: التعاطف، وإدارة الأزمات، والعلاقات الإنسانية المعقدة
  • الإبداع القائم على التجربة المعيشية: الفن الناشئ من الألم والفرح والذاكرة الحية
  • الحكمة السياقية: اتخاذ قرارات أخلاقية في مواقف مُلتبسة لا تحكمها قواعد ثابتة
  • القيادة والإلهام: تحفيز الفرق وبناء الثقة وقيادة التغيير المؤسسي
  • العمل اليدوي الدقيق في بيئات غير منضبطة: تركيب السباكة في بناء قديم، أو تشخيص عطل ميكانيكي نادر

ولعل أبرز ما يُحدثه الذكاء الاصطناعي من أثر إيجابي هو ديمقراطية الكفاءة. فالعامل الصغير في منشأة محدودة الموارد يستطيع اليوم بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي أن يُنجز ما كان يستلزم فريقاً كاملاً: يصمم، يُترجم، يُحلّل، يكتب، ويُسوّق — وكل ذلك في وقت قياسي. هذا التمكين غير المسبوق يُعيد رسم خريطة القدرة التنافسية لصالح الأفراد الذين يُحسنون توظيف هذه الأدوات.

'الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك — لكن الشخص الذي يُتقن استخدامه قد يفعل.'

— مقولة متداولة في أوساط مستشاري سوق العمل، ٢٠٢٥

في قطاع الرعاية الصحية مثلاً، لا تُغني أنظمة الذكاء الاصطناعي التشخيصية عن الطبيب، بل تُحرّره من الإجهاد الإدراكي الناجم عن مراجعة آلاف الصور الطبية، لتتاح له طاقة أكبر لمحادثة المريض، والتفكير في الحالات الاستثنائية، والبحث العلمي. وفي قطاع التعليم، تُتيح منصات التعلم الذكي للمعلم أن يُكرّس وقته للتفاعل الحقيقي مع الطالب عوضاً عن التصحيح الآلي المُضني.

على صعيد الوظائف الوليدة، يُشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الثورة الرقمية ستُفرز ٩٧ مليون دور وظيفي جديد بحلول ٢٠٣٠، لم يكن لها وجود اليوم، في مجالات كهندسة نماذج الذكاء الاصطناعي، وأخلاقيات البيانات، والزراعة الدقيقة، وإدارة المدن الذكية، وتقنيات الاستدامة البيئية. والتحدي — كما هو دائماً — يتمثل في سرعة تأهيل القوى العاملة لملء هذا الفراغ.

٩٧م وظيفة جديدة ستنشأ بحلول ٢٠٣٠ في مجالات الاقتصاد الرقمي
٦٠٪ من العمال يرون أن الذكاء الاصطناعي سيُحسّن إنتاجيتهم (Gallup 2025)
٥× زيادة في إنتاجية العمال الذين يدمجون أدوات AI في سير عملهم

مسار التحول: كيف وصلنا إلى هنا

٢٠١٦
يتغلب AlphaGo لأول مرة على البطل العالمي في لعبة الغو، مُعلناً بداية عصر التفوّق الحسابي في المهام المعقدة.
٢٠١٩
تتضاعف وظائف الأتمتة الصناعية، وتُسجّل أوروبا أول موجة إضرابات مطالِبة بتشريعات تحمي العمال من الإحلال الآلي.
٢٠٢٣
انفجار نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي (ChatGPT، Claude، Gemini)، وأول أزمة هيكلية تضرب الصحافة ووكالات الترجمة وشركات المحتوى.
٢٠٢٤
اتفاقيات عمل جديدة في هوليوود وصناعة النشر تتضمن بنوداً صريحة تُنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، في سابقة تشريعية تاريخية.
٢٠٢٥–٢٠٢٦
الاتحاد الأوروبي يُطلق 'قانون الذكاء الاصطناعي' الشامل، فيما تُعلن حكومات عدة برامج إعادة تدريب وطنية لمواجهة التداعيات العمالية.

المخرج الأمثل: نحو عقد اجتماعي رقمي

ثمة إجماع متنامٍ بين الاقتصاديين وعلماء الاجتماع على أن المسألة في جوهرها ليست تقنية، بل هي سياسية واجتماعية بامتياز. فالأدوات موجودة، والقدرات التقنية حاضرة، لكن السؤال الحقيقي هو: من يتحكم في ثمار هذا التحول ومن يتحمّل أعباءه؟

يطالب المدافعون عن حقوق العمال بما باتوا يُسمّونه 'الضريبة على الروبوت': فرض رسوم على الشركات التي تُحلّ الذكاء الاصطناعي محل العمال البشر، وتوجيه حصيلتها نحو صناديق إعادة التأهيل المهني وشبكات الأمان الاجتماعي. المقترح، الذي أثاره بيل غيتس سنوات مضت، يجد اليوم صدىً أوسع في البرلمانات الأوروبية.

في المقابل، يُشدّد رجال الأعمال والمبتكرون على ضرورة الاستثمار المُسرَّع في التعليم والتدريب المهني بوصفه الحل الجذري الوحيد. فالمهارات القابلة للتكيف — كالتفكير النقدي، والتعلم المستمر، وإدارة الأنظمة الذكية — هي التذكرة الوحيدة لسوق العمل المستقبلي. غير أن المعضلة تكمن في أن هذا التحول يستلزم وقتاً طويلاً، في حين أن الأتمتة لا تنتظر أحداً.

في نهاية المطاف، عيد العمال لعام ٢٠٢٦ لا يحتفل بانتصار العامل أو بهزيمته، بل يُجسّد لحظة فارقة في تاريخ البشرية: لحظة يقف فيها الإنسان العامل على مفترق طرق، يسأل ليس ماذا سيصنع الذكاء الاصطناعي به، بل ماذا سيصنع هو بالذكاء الاصطناعي.

التكنولوجيا أداة في يد من يُحسن توظيفها، وتهديد وجودي لمن يُحجم عن فهمها. والفارق بين المصيرين لا يُقاس بذكاء الآلة، بل بإرادة الإنسان وعدالة المجتمع الذي يُوظّف هذه الآلة في خدمة الجميع، لا في ثراء القلة.

✦ كل عام والعمال بخير ✦

جوني خوري

المصدر: فريق عمل موقع رميش دوت اورغ



الاشتراك في الرسائل الإخبارية !

يرجى إدخال البريد الإلكتروني الخاص بك و الاسم للانضمام.

Digital Newsletter

لإلغاء الاشتراك اضغط هنا ».